السيد محمد بيرم الخامس التونسي

250

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

إنكارهم له ، ولا يقال : لعلهم أنكروه واستندوا إلى عدم ذكره في التواريخ من حيث وقوع الخلاف في وقوعه ، حتى عند المسلمين ، لأن رواية أحاديثه لا تخرج عن الأفراد والآية المارة ، قد قال بعض المفسرين فيها : « إن الفعل الماضي وضع موضع المستقبل تحقيقا لما سيقع ، فلا يكون هناك النقل بالتواتر للوقوع بالفعل » ؟ والوجه في سقوط ذلك بديهي عند من تضلع بالفنون الشرعية وبيانه : أنا قدمنا أن الأحاديث المروية في الصحاح إنما هي في بيان الكيفية والأسباب ، أما أصل ثبوت الواقعة فإنه منقول تواترا محققا لأن مدار جميع الروايات البالغة حد التواتر على إثبات الوقوع فليس هي من الآحاد وكذلك صريح القرآن قطعي فيه ، وما ذكره بعض المفسرين ليس هو من كلام أحد من الأمة إذ لا خلاف عندنا في ذلك ، وإنما هو من كلام بعض الملحدة والمريدين لإدخال الشبهة كيفما كان الحال على المسلمين ، وإن نسب القول بذلك لأحد الأمة فإنما هو من التزوير والبهتان حيث لم يثبت بطريق الرواية الصحيحة عن الثقاة نسبة قول ذلك لأحد علماء الأمة ، ولذلك لا ترى كل من نقل ذلك من المفسرين إلا وقال أثره ويرده قوله تعالى : وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ [ القمر : 2 و 3 ] الآية فإنه إذا كان المعنى سينشق القمر لا يكون لقوله « يعرضوا » الخ من معنى ، لأن ذلك الزمن الآتي ليس فيه من مدع لمعجزة حتى ينسبوها إلى السحر ، وأيضا قوله تعالى : « وكذبوا » نص صريح في تكذيبهم بأن انشقاق القمر معجزة وإنما نسبوه إلى السحر ، وقد جاءت قراءة وقد انشق القمر بزيادة التأكيد للماضي ، ولهذا نقل الإجماع غير واحد على أن الانشقاق قد وقع وأنه لا خلاف بين المفسرين في ذلك ، وكذلك الروايات في الوقوع قد قال الواقدي « 1 » إنها متواترة بالقطع ، وبه صرح القاضي عياض وغيره من ممارسي الرواية والحديث ، وقال القاضي عياض أيضا ، ما معناه : أن من يدعي عدم التواتر في ذلك إنما هو الجاهل كمن يغمض بصره ويقول ما لي لا أرى الضوء » « 2 » وكذلك هذا فإن المعرضين عن الاطلاع على الحديث والسير هم الذين لا يعرفون تواتر الرواية في ذلك زيادة عما قدمنا من صراحة القرآن فيه وإجماع الأمة على تفسيره بما لا يحتمل تأويلا ولا شبهة ، ولم يقل أحد خلافه سوى دسيسة الملحدة المذكورة مما لا يروج على عالم ، وكان نقل كثير من المفسرين لها للرد عليها هو الذي صير لها ذكرا ، والحق أن كثيرا من المتأخرين الذين فسروا لم يراعوا حق القرآن في تنزيه تفسيره عن سفاسف الأقوال مما هو مردود بالبداهة وأصول العقائد والإجماع كما وقع في هاته الآية ، مما جعل للقول ذكرا وإن لم يكن له من أساس ولا سند ، ولا عجب لإلحاد الملحدين ودسائسهم في المعاني بما استطاعوا ، بل أنهم طمعوا حتى في الألفاظ وأرادوا

--> ( 1 ) هو محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي المدني ، أبو عبد اللّه الواقدي ( 130 - 207 ه ) . من أقدم المؤرخين في الإسلام ، حافظ للحديث . ولد بالمدينة وولي القضاء ببغداد واستمر إلى أن توفي فيها . الأعلام 6 / 311 تذكرة الحفاظ 1 / 317 ، تاريخ بغداد 3 / 3 - 21 وفيات الأعيان 1 / 506 ميزان الإعتدال 3 / 110 والفهرست لابن النديم 1 / 98 . ( 2 ) انظر الشفا 1 / 280 وما بعدها .